عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
45
معارج التفكر ودقائق التدبر
قول اللّه تعالى : * وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 11 ) : كان الكلام يحكي ما وجّه اللّه عزّ وجلّ لداود عليه السّلام ، وجاءت هذه العبارة موجّهة لجماعة لا لفرد . وباستطاعتنا أن نفهم من هذا الإجراء أنّ الأعمال الصّناعيّة تحتاج إلى رئيس معلّم محكم للصّنعة ومشرف عليها ، وتحتاج إلى معاونين يساعدونه في العمل ، ويتدرّبون عنده وبإشرافه ، لتوفير الإنتاج وإتقان الصّنع . ففي هذه العبارة توجيه للّذين يعملون معه ، أن يتعاونوا فيما بينهم تعاونا تكامليا ، وتوجيه لإتقان العمل ، فالعمل الصّالح في الصّناعات هو العمل المتقن . وفي هذا التّوجيه إشارة إلى أنّه ينبغي لمن يبتكر ، أو يلهم ، أو يعلّم صنعة من الصّناعات النّافعات ، أن يجعل تحت يديه من يتعلّمها ، لتكون ميراثا حضاريّا بشريّا ، تتقدّم به وترتقي الحضارة الإنسانيّة ووسائلها . أمّا من يحتكر سرّ صناعته لنفسه ، فلا يجعل تحت يديه وإشرافه من يتعلّمها ، فإنّ صناعته الرّاقية ومهارته تموت بموته ، ثمّ يحتاج المجتمع البشريّ أن تمرّ أزمان طويلة حتّى يظهر في النّاس نظيره ، فيتعلّم النّاس منه ، إذا أذن لهم بأن يقتبسوا منه ما وهبه اللّه . * . . إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 11 ) : هذه العبارة تدلّ باللّزوم الفكريّ على وعد اللّه للّذين يعملون صالحا في الصّناعات بالثواب على العمل الصّالح ، وبالعقاب على العمل السّيء ، فإذا كانوا من أهل الإيمان وابتغاء مرضاة اللّه ، أثاب اللّه الّذين يعملون صالحا منهم ثوابا آخر أعظم يوم الدّين ، فوق ما يمنحهم من ثواب معجّل .